الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

270

مناهل العرفان في علوم القرآن

لا يطمع في نبوة ولا يأمل في وحى وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ . وكذلك لم يكن بعد نبوته بالذي يضمن بقاء هذا الوحي وحفظه ؛ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً * . فلا مناص إذن من أن تكون تلك البشارات المؤكدة والعهود الموثقة ، صادرة من أفق غير أفقه ، آنية من ملك قاهر لا راد لحكمه ، معبرة عن مراد من يملك العالم ويحكمه في ماضيه وحاضره ومستقبله ! ومما يؤيد صدق هذه التنبؤات ، أن الإسلام لقى من ضروب العنت مرارا وتكررا ، في أزمان متطاولة وعهود مختلفة ، ما كان بعضه كافيا في محوه وزواله ، ولكنه على رغم أنف هذه الأعاصير العاتية بقي ثابتا يسامى الجبال ، شامخا يطاول السماء . وكذلك لقى كتابه العزيز ولا يزال يلقى من الهمز واللمز والطعن والسباب والمحاولات القاتلة ، ما لا يتصوره إنسان في أي زمان ، وما لم يلق كتاب قبله من الكيد والتضليل والبهتان ، ومع ذلك كله فالقرآن هو القرآن ، لا يزال جالسا على عرشه في سمائه ، يمد العالم كله بحرارته وضيائه ، ولم . تنل منه هذه المحاولات إلا كما ينال نباح الكلاب من عاليات السحاب . ( المثال الخامس ) تنبأ القرآن بأن المستقبل السعيد ينتظر المسلمين في وقت لم تكن عوامل هذا المستقبل السعيد مواتية ، ثم إذا تأويل هذا النبأ يأتي على نحو ما أخبر القرآن ، في أقصر ما يكون من الزمان ! أجل ، إننا لنقرأ في سورة الصافات المكية : وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ وفي سورة غافر المكية أيضا إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ وكذلك نقرأ في سورة النور المدنية : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً على حين أن سجلات التاريخ لا تزال تحفظ بين طياتها ما يشيب الوليد من ألوان الاضطهاد والأذى الذي أصاب الرسول وأتباعه